الحُجَّةُ في نَصرَةِ التُّرَاثِ الكلاسِيكِيّ: الانحِسَارُ والإحيَاءُ ومُستَقبَلُ تَعَلُّمِ اللُّغَاتِ العَتِيقَة
كيفَ تَقَلَّصَ التَّعلِيمُ الكلاسِيكِيُّ، وأَينَ يَعُودُ إلى الظُّهُور، ولِمَ لا يَزَالُ تَعَلُّمُ اللُّغَاتِ العَتِيقَةِ بِحَاجَةٍ إلى أَدَوَاتٍ أَجدَر.

مُقَدِّمَة: لِمَ لا يَزَالُ هَذَا ذَا شَأن
كانَ التَّعليمُ الكلاسِيكِيُّ، عَلَى مَرِّ العُصُورِ الطَّويلَة، يَعنِي اقتِنَاءَ اللاتِينِيَّةِ أَوِ اليُونَانِيَّةِ القَدِيمَةِ أَو كِلتَيهِمَا مَعًا. إذ كانَ ذَلِكَ التَّدرِيبُ يَمنَحُ طُلاَّبَ المَدَارِسِ العَادِيِّينَ في بُلدَانٍ شَتَّى وُصُولًا مُبَاشِرًا إلى النُّصُوصِ التَّأسِيسِيَّةِ في التَّارِيخِ والفَلسَفَةِ والأَدَبِ والدِّين. غَيرَ أَنَّ هَذَا الطَّرِيقَ ضَاقَ ضِيقًا حَادًّا خِلالَ القَرنِ المَاضِي.
تَتَتَبَّعُ هَذِهِ المَقَالَةُ نَمُوذَجَ ذَلِكَ التَّعلِيمِ القَدِيم، وتَستَقصِي أَسبَابَ تَرَاجُعِه، وتُبَيِّنُ لِمَ لَم يَتَلاَشَ الاهتِمَامُ باللُّغَاتِ العَتِيقَةِ قَطُّ تَلاشِيًا كَامِلًا. كَمَا تَحتَجُّ بِأَنَّ الحِفَاظَ وَحدَهُ لا يَكفِي؛ فَإِذَا أَرَادَ النَّاسُ مُوَاصَلَةَ تَعَلُّمِ هَذِهِ اللُّغَات، وَجَبَ أَن تَلتَقِيَ بِهِمُ الأَدَوَاتُ أَينَمَا كَانُوا.
تَظَلُّ التَّرجَمَةُ نَافِعَة، بَيدَ أَنَّهَا تَتَّخِذُ خِيَارَاتٍ نِيَابَةً عَنِ القَارِئ؛ إذ تُسَوَّى فِيهَا المُوسِيقَى والتَّأكِيدُ والغُمُوضُ والبُنيَةُ النَّحوِيَّة. وقَد بُنِيَ PRAVIEL استِجَابَةً بَسِيطَةً لِهَذِهِ الإشكَالِيَّة: أَن يَكُونَ الطَّرِيقُ إلى النُّصُوصِ الأَصِيلَةِ أَوضَحَ وَأَمتَنَ وأَيسَرَ استِدَامَة.
حِينَ كَانَ التَّعلِيمُ الكلاسِيكِيُّ هُوَ المَعيَار
كانَ التَّعلِيمُ الكلاسِيكِيُّ، المُرتَكِزُ عَلَى اللاتِينِيَّةِ واليُونَانِيَّةِ القَدِيمَة، رَكِيزَةً رَاسِخَةً مِن رَكَائِزِ التَّعلِيمِ الرَّفِيعِ في كَثِيرٍ مِنَ البُلدَانِ الغَربِيَّة. ويَستَعرِضُ الجَدوَلُ أَدنَاهُ أَبرَزَ البُلدَانِ والحُقَبِ التِي كَانَت فِيهَا اللاتِينِيَّةُ واليُونَانِيَّةُ جُزءًا لا يَتَجَزَّأُ مِنَ التَّعلِيم، وغَالِبًا إِلزَامِيًّا.
| البَلَدُ أَوِ الإِقلِيم | حُقبَةُ هَيمَنَةِ التَّعلِيمِ الكلاسِيكِيّ | مُتَطَلَّبَاتُ اللاتِينِيَّةِ واليُونَانِيَّة |
|---|---|---|
| بَرِيطَانِيَا العُظمَى (إِنجِلتَرَا والمَملَكَةُ المُتَّحِدَة) | مِنَ القَرنِ السَّادِسَ عَشَرَ حَتَّى مُنتَصَفِ القَرنِ العِشرِين | كَانَت اللاتِينِيَّةُ مِحوَرَ مَنَاهِجِ مَدَارِسِ القَوَاعِدِ مُنذُ عَصرِ النَّهضَةِ حَتَّى مَطلَعِ القَرنِ العِشرِين، وكانَ إِتقَانُهَا شَرطًا لِلاِلتِحَاقِ بِالجَامِعَةِ (أَكسفُورد/كَامبرِيدج) حَتَّى سِتِّينِيَّاتِ القَرنِ المَاضِي. وكَانَت اليُونَانِيَّةُ تُدرَّسُ في المَدَارِسِ الأَرستُقرَاطِيَّةِ (كَإِيتُون)؛ واشتَرَطَت أَكسفُورد وكَامبرِيدجُ الحُصُولَ عَلَى مُؤَهَّلٍ فِي اللاتِينِيَّةِ لِلتَّسجِيل. وقَد ظَلَّ مُسَمَّى «المَدرَسَةُ اللاتِينِيَّة» قَائِمًا في بَرِيطَانِيَا لِلدَّلالَةِ عَلَى المَدَارِسِ الثَّانَوِيَّةِ الأَكَادِيمِيَّة. |
| الوِلاَيَاتُ المُتَّحِدَة | مِنَ القَرنِ السَّابِعَ عَشَرَ حَتَّى مَطلَعِ القَرنِ العِشرِين | هَيمَنَت اللاتِينِيَّةُ وكَثِيرًا مَا هَيمَنَت اليُونَانِيَّةُ عَلَى مَنَاهِجِ الحُقبَةِ الاِستِعمَارِيَّةِ والقَرنِ التَّاسِعَ عَشَر. وكَانَت الكُلِّيَّاتُ الأُولَى تُدرَّسُ بِاللاتِينِيَّة، وكانَ القَبُولُ يَستَلزِمُ في الغَالِبِ مَعرِفَتَهَا. واشتَرَطَ اِمتِحَانُ هَارفَارد عَامَ 1642 قِرَاءَةَ الكُتَّابِ اللاتِينِيِّينَ الكلاسِيكِيِّينَ ومَبَادِئَ اليُونَانِيَّة. وبِحُلُولِ عَامِ 1900 كانَ نَحوُ 50% مِن طُلاَّبِ المَرحَلَةِ الثَّانَوِيَّةِ يَدرُسُونَ اللاتِينِيَّةَ استِعدَادًا لِلجَامِعَة. وَاحتَفَظَت يِيل بِمُتَطَلَّبِ اليُونَانِيَّةِ حَتَّى 1904 واللاتِينِيَّةِ حَتَّى 1931. |
| أَلمَانِيَا (بُرُوسِيَا) | مِنَ القَرنِ الثَّامِنَ عَشَرَ حَتَّى مُنتَصَفِ القَرنِ العِشرِين | كانَ Gymnasium الإِنسَانَوِيُّ الوَارِثَ المُبَاشِرَ لِلمَدرَسَةِ اللاتِينِيَّةِ المُتَوَسِّطَة. واشتَرَطَ تَعَلُّمَ اللاتِينِيَّةِ (وفِي Altsprachliches Gymnasium اليُونَانِيَّةَ القَدِيمَةَ أَيضًا) لِطُلاَّبِ المَسَارِ الجَامِعِيّ. وقَد ظَهَرَت مَدَارِسُ بَدِيلَةٌ (Realgymnasium/Realschule) تُرَكِّزُ عَلَى اللُّغَاتِ الحَدِيثَةِ والعُلُوم. غَيرَ أَنَّ الجِيمنَازِيُومَ الكلاسِيكِيَّ ظَلَّ حَتَّى مَطلَعِ القَرنِ العِشرِينَ البَوَّابَةَ الرَّئِيسِيَّةَ لِلجَامِعَاتِ والوَظَائِفِ الحُكُومِيَّة. |
| فَرَنسَا | مِنَ القَرنِ التَّاسِعَ عَشَرَ حَتَّى مُنتَصَفِ القَرنِ العِشرِين | ضَمَّنَت الإِصلاحَاتُ النَّابُلِيُونِيَّةُ في lycée مَسَارًا «كلاسِيكِيًّا» يَشتَرِطُ اللاتِينِيَّةَ وكَثِيرًا مَا يَشتَرِطُ اليُونَانِيَّة. وكَانَت اللاتِينِيَّةُ مَادَّةَ الهَيبَةِ في اِمتِحَانِ baccalauréat. وبِحُلُولِ مُنتَصَفِ القَرنِ العِشرِينَ أَصبَحَت اللاتِينِيَّةُ اختِيَارِيَّة، وبِحُلُولِ عَامِ 2023 لَم يَدرُسهَا سِوَى نَحوِ 9% مِن طُلاَّبِ التَّعلِيمِ الثَّانَوِيِّ الفَرَنسِيّ. |
| إِيطَالِيَا | مِن سِتِّينِيَّاتِ القَرنِ التَّاسِعَ عَشَرَ حَتَّى اليَوم (المَسَارُ الكلاسِيكِيّ) | أَسَّسَت إِيطَالِيَا مُنذُ تَوحِيدِهَا Liceo Classico الَّذِي تُفرَضُ فِيهِ اللاتِينِيَّةُ واليُونَانِيَّةُ القَدِيمَةُ فَرضًا. ولا يَزَالُ هَذَا المَسَارُ قَائِمًا حَتَّى اليَوم. ونَحوُ ثُلُثِ خِرِّيجِي المَرحَلَةِ الثَّانَوِيَّةِ الإِيطَالِيِّينَ دَرَسُوا اللاتِينِيَّةَ خَمسَ سَنَوَات، مِمَّا يَعكِسُ اِستِمرَارَ المَنهَجِ الكلاسِيكِيّ. |
| سَائِرُ أُورُوبَّا (إِسبَانِيَا، النَّمسَا وغَيرُهُمَا) | مِنَ القَرنِ السَّادِسَ عَشَرَ حَتَّى القَرنِ العِشرِين | كَانَت مَدَارِسُ «التِّرِيفِيُوم» اللاتِينِيَّةُ شَائِعَةً في أَرجَاءِ أُورُوبَّا بِحُلُولِ عَامِ 1500. وفِي الإِمبِرَاطُورِيَّةِ النَّمسَاوِيَّةِ المَجَرِيَّةِ وإِسبَانِيَا وهُولَندَا وإِسكَندِنَافِيَا، ظَلَّت اللاتِينِيَّةُ تُدرَّسُ طَوِيلًا في المَدَارِسِ التَّحضِيرِيَّة. وعُمُومًا تَرَاجَعَ إِلزَامُ اللاتِينِيَّةِ كَمُتَطَلَّبٍ عَامٍّ في أَوَاخِرِ القَرنِ التَّاسِعَ عَشَرَ أَو مُنتَصَفِ القَرنِ العِشرِين. |
مُلاحَظَة: في العَصرِ الوَسِيطِ والعَصرِ الحَدِيثِ المُبَكِّر، كَانَت اللاتِينِيَّةُ اللِّسَانَ المُشتَرَكَ لِلتَّعلِيمِ في أَرجَاءِ أُورُوبَّا؛ كَانَت الجَامِعَاتُ تُلقِي مُحَاضَرَاتِهَا بِاللاتِينِيَّة، وكَانَت «المَدَارِسُ اللاتِينِيَّة» الثَّانَوِيَّةُ تُعِدُّ طُلاَّبَهَا لِذَلِكَ العَالَم. ودَخَلَت اليُونَانِيَّةُ القَدِيمَةُ المَنَاهِجَ إِبَّانَ عَصرِ النَّهضَةِ (القَرنَانِ الخَامِسَ عَشَرَ والسَّادِسَ عَشَر) حِينَ دَعَا العُلَمَاءُ الإِنسَانِيُّونَ إِلَى قِرَاءَةِ النُّصُوصِ الأَصِيلَة. وهَكَذَا، بِحُلُولِ القَرنَينِ الثَّامِنَ عَشَرَ والتَّاسِعَ عَشَر، غَدَا «التَّعلِيمُ الكلاسِيكِيُّ» عَلامَةً فَارِقَةً لِلإِنسَانِ المُثَقَّفِ في الغَرب.
التَّحَوُّلُ والاِنحِسَار: مَتَى تَرَاجَعَ التَّعلِيمُ الكلاسِيكِيُّ ولِمَاذَا
بِحُلُولِ القَرنِ العِشرِين، أَسقَطَت مُعظَمُ الدُّوَلِ اللاتِينِيَّةَ واليُونَانِيَّةَ مِن مُتَطَلَّبَاتِهَا الأَسَاسِيَّةِ نَتِيجَةَ تَحَوُّلاتٍ في الأَولَوِيَّاتِ التَّربَوِيَّةِ وَمَوجَةٍ دِيمُقرَاطِيَّةٍ وَاسِعَة.
-
إِصلاحَاتُ مَطلَعِ القَرنِ العِشرِين: في الوِلاَيَاتِ المُتَّحِدَة، شَرَعَت كُبرَى الجَامِعَاتِ في إِلغَاءِ اِمتِحَانَاتِ اللُّغَاتِ الكلاسِيكِيَّةِ في القَبُول؛ جَعَلَت هَارفَارد اليُونَانِيَّةَ اختِيَارِيَّةً في الثَّمَانِينِيَّاتِ والتِّسعِينِيَّاتِ مِنَ القَرنِ التَّاسِعَ عَشَر، واحتَفَظَت يِيلُ بِاليُونَانِيَّةِ إِلزَامِيَّةً حَتَّى 1904 واللاتِينِيَّةِ حَتَّى 1931. وبِمُجَرَّدِ أَن تَخَلَّت الجَامِعَاتُ الكُبرَى عَن هَذِهِ المُتَطَلَّبَات، حَذَت المَدَارِسُ الثَّانَوِيَّةُ حَذوَهَا. وتَكَرَّرَ هَذَا النَّمَطُ في أَمَاكِنَ أُخرَى؛ إِذ أَلغَت كَامبرِيدجُ وأَكسفُورد اِمتِحَانَ اللاتِينِيَّةِ في القَبُولِ بِحُلُولِ 1960-1961.
-
تَوسِيعُ الوُصُولِ والتَّعلِيمُ «النَّفعِيّ»: مَعَ اِمتِدَادِ التَّعلِيمِ الثَّانَوِيِّ لِيَشمَلَ الجُمُهُور، بَدَت اللُّغَاتُ الكلاسِيكِيَّةُ نُخبَوِيَّةً أَو غَيرَ عَمَلِيَّة. وضَغَطَ المُرَبُّونَ مِن أَجلِ مَنَاهِجَ تُهَيِّئُ الطُّلاَّبَ لِلمِهَنِ الحَدِيثَة. وَدَعَا أَمثَالُ بِنجَامِين فرَانكلِين وبِنجَامِين رَاش إِلَى استِبدَالِ اليُونَانِيَّةِ واللاتِينِيَّةِ بِالعُلُومِ والهَندَسَةِ واللُّغَاتِ الحَدِيثَة. وَضَخَّمَ هَذَا التَّوَجُّهَ التَّربِيَةُ التَّقَدُّمِيَّةُ (جُون دِيوِي)، الَّتِي آثَرَت مَهَارَاتِ «الحَيَاةِ العَمَلِيَّة» عَلَى الحِفظِ والتَّلقِينِ الكلاسِيكِيَّين.
-
السُّقُوطُ الحَادُّ في مُنتَصَفِ القَرنِ (مَا بَعدَ الحَرب): شَهَدَت الفَترَةُ المُمتَدَّةُ بَينَ خَمسِينِيَّاتِ وسَبعِينِيَّاتِ القَرنِ المَاضِي أَشَدَّ اِنهِيَار؛ فَبَعدَ الحَربِ العَالَمِيَّةِ الثَّانِيَة، وخَاصَّةً إِثرَ إِطلاقِ الاِتِّحَادِ السُّوفيَتِيِّ قَمَرَهُ الاِصطِنَاعِيَّ سُبُوتنِيك عَامَ 1957، أَولَت السِّيَاسَةُ التَّعلِيمِيَّةُ الأَمرِيكِيَّةُ الأَولَوِيَّةَ لِلعُلُومِ والتِّكنُولُوجِيَا. وتَحَوَّلَت مُتَطَلَّبَاتُ اللُّغَاتِ الأَجنَبِيَّةِ نَحوَ الرُّوسِيَّةِ والإِسبَانِيَّة. وتُوضِّحُ إِحصَاءَاتٌ كَثِيرًا مَا يُستَشهَدُ بِهَا حَجمَ هَذَا الاِنهِيَار: تَرَاجَعَ عَدَدُ طُلاَّبِ اللاتِينِيَّةِ في المَدَارِسِ الثَّانَوِيَّةِ الأَمرِيكِيَّةِ مِن نَحوِ 700,000 عَامَ 1962 إِلَى نَحوِ 150,000 عَامَ 1976، أَي اِنخِفَاضٌ بِنِسبَةِ 80% في خَمسَ عَشرَةَ سَنَةً فَحَسب.
الأَسبَابُ الرَّئِيسِيَّةُ لِلاِنحِسَار
-
الدِّيمُقرَاطِيَّةُ وَمُعَادَاةُ النُّخبَوِيَّة: مَعَ اِنتِشَارِ التَّعلِيمِ الثَّانَوِيِّ لِيَصبِحَ عَامًّا، رَأَى المُرَبُّونَ في الكلاسِيكِيَّاتِ بَقِيَّةً «نُخبَوِيَّة» لا تَنسَجِمُ مَعَ مَبَادِئِ المُسَاوَاة. وأَسقَطَت الأَنظِمَةُ التَّعلِيمِيَّةُ مُتَطَلَّبَاتٍ قَد تُعِيقُ طُلاَّبًا لَم يَتَلَقَّوا دِرَاسَةً تَحضِيرِيَّةً في اللاتِينِيَّة.
-
التَّرَكُّزُ عَلَى العُلُومِ والتِّقنِيَّة: تَحَوَّلَت اِحتِيَاجَاتُ الاِقتِصَادِ نَحوَ العُلُومِ والهَندَسَةِ والمَهَارَاتِ الحَدِيثَة. وفِي الوِلاَيَاتِ المُتَّحِدَة، ضَخَّت مُبَادَرَاتٌ اِتِّحَادِيَّةٌ كَقَانُونِ التَّعلِيمِ الدِّفَاعِيِّ الوَطَنِيِّ (1958) مَوَارِدَ في العُلُومِ واللُّغَاتِ الأَجنَبِيَّةِ الحَدِيثَة، لا في اللاتِينِيَّة.
-
النَّظَرِيَّةُ التَّربَوِيَّةُ التَّقَدُّمِيَّة: جَادَلَ المُرَبُّونَ التَّقَدُّمِيُّونَ بِأَنَّ الحِفظَ الصِّرفَ يَنبَغِي أَن يُفسِحَ المَجَالَ لِـ«التَّعَلُّمِ بِالفِعل». وعُدَّت طَرِيقَةُ القَوَاعِدِ والتَّرجَمَةِ اللاتِينِيَّةِ القَدِيمَةِ مُتَحَذلِقَةً وغَيرَ مُلائِمَةٍ لِعُمُومِ الطُّلاَّب.
-
التَّحَوُّلاتُ الثَّقَافِيَّةُ والأَيدِيُولُوجِيَّة: بَعدَ الحَربِ العَالَمِيَّةِ الثَّانِيَة، عَاشَت الثَّقَافَةُ الغَربِيَّةُ مَا يَصِفُهُ المُؤَرِّخُونَ بِـ«تَرَاجُعِ الثِّقَةِ في المُثُلِ الإِنسَانِيَّة». وتَسَاءَلَ المُثَقَّفُونَ عَن قِيمَةِ الإِرثِ الغَربِيِّ الكلاسِيكِيّ، فِيمَا طَعَنَت تَيَّارَاتٌ كَالنِّسبِيَّةِ الأَخلاقِيَّةِ وَمَا بَعدَ الحَدَاثَةِ في كَونِ اليُونَانِيِّينَ والرُّومَانِ نَمَاذِجَ كَونِيَّةً لِلحَقِيقَةِ والفَضِيلَة.
-
اِنتِهَاءُ اللاتِينِيَّةِ في الكَنِيسَة: أَنهَى المَجمَعُ الفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي لِلكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ (1962-1965) الاِستِخدَامَ الاِعتِيَادِيَّ لِلاتِينِيَّةِ في القُدَّاس. وسَارَعَت المَدَارِسُ الكَاثُولِيكِيَّة، الَّتِي كَانَت مَعقِلًا لِلاتِينِيَّة، إِلَى تَقلِيصِ تَدرِيسِهَا، مِمَّا أَزَالَ دَافِعًا مُؤَسَّسِيًّا كَبِيرًا لِتَعلِيمِ اللُّغَة.
بِحُلُولِ أَوَاخِرِ القَرنِ العِشرِين، لَم يَبقَ مِنَ التَّعلِيمِ الكلاسِيكِيِّ سِوَى بَقَايَا في بَعضِ المَدَارِسِ الثَّانَوِيَّةِ الرَّفِيعَةِ أَو كَتَخَصُّصٍ جَامِعِيٍّ ضَيِّق. وقَد جَرَى أَسرَعُ اِنهِيَارٍ بَينَ عَامَي 1950 و1970. فَفِي عَامِ 1940، كانَ الطَّالِبُ المُتَّجِهُ نَحوَ الجَامِعَةِ في الوِلاَيَاتِ المُتَّحِدَةِ أَو المَملَكَةِ المُتَّحِدَةِ لا يَزَالُ يُتَوَقَّعُ مِنهُ أَن يَكُونَ قَد دَرَسَ قَدرًا مِنَ اللاتِينِيَّة؛ أَمَّا عَامَ 1970 فَقَد غَدَا ذَلِكَ ضَربًا مِنَ المُستَغرَب.
التَّيَّارَاتُ الفِكرِيَّةُ المُسهِمَةُ في الاِنحِسَار
أَسهَمَت تَيَّارَاتٌ فِكرِيَّةٌ عِدَّةٌ مُجتَمِعَةً في تَحوِيلِ اِتِّجَاهَاتِ المُرَبِّينَ بَعِيدًا عَنِ الكلاسِيكِيَّاتِ اليُونَانِيَّةِ الرُّومَانِيَّة:
-
البَرَاغمَاتِيَّةُ والنَّفعِيَّة: جَادَلَ فَلاسِفَةٌ كَجُونِ دِيوِي بِأَنَّ المَنَاهِجَ يَنبَغِي أَن تُؤَثِّرَ المَعَارِفَ والمَهَارَاتِ المُعَاصِرَة. وعُرِّضَت اللُّغَاتُ الكلاسِيكِيَّةُ بِافتِقَارِهَا إِلَى الجَدوَى المُبَاشِرَة؛ وكانَ الجَوَابُ الغَالِبُ عَلَى سُؤَالِ «مَا النَّفعَةُ العَمَلِيَّةُ مِن هَذَا؟» هُوَ: «لا شَيء».
-
التَّقَدُّمِيَّةُ في التَّربِيَة: نَظَرَ هَذَا التَّيَّارُ الطَّالِبُ-المِحوَرِيُّ إِلَى المَنهَجِ الكلاسِيكِيِّ التَّقلِيدِيِّ عَلَى أَنَّهُ صَارِمٌ وَمُنقَطِعٌ عَنِ الوَاقِع. وأَدخَلَ المُقَرَّرَاتِ الاِختِيَارِيَّةَ ودُورَاتِ «التَّكَيُّفِ الحَيَاتِيّ»، كَثِيرًا مَا عَلَى حِسَابِ اللاتِينِيَّةِ واليُونَانِيَّة.
-
الحَدَاثَةُ والعُلُوم: قَدَّرَت الحَدَاثَةُ الثَّقَافِيَّةُ الوَاسِعَةُ الاِبتِكَارَ عَلَى حِسَابِ المَوروث. وَمَعَ تَقَدُّمِ العُلُوم، تَرَاجَعَت سُلطَةُ الأَنتِيكَا الثَّقَافِيَّة. فَفِي عَامِ 1800، كانَ الاِستِشهَادُ بِأَرِسطُو أَو شِيشِيرُون يَمنَحُ الشَّرعِيَّةَ الفِكرِيَّة؛ أَمَّا عَامَ 1950 فَكانَ الاِستِشهَادُ بِنِيُوتُن أَو دَارُوِن هُوَ الأَجدَر.
-
المَاركِسِيَّةُ والتَّربِيَةُ النَّقدِيَّة: رَأَت النُّقُودُ اليَسَارِيَّةُ في «التَّعلِيمِ الكلاسِيكِيِّ» لِلنُّخبَةِ آلِيَّةً لِإِعَادَةِ إِنتَاجِ الطَّبَقَاتِ الاِجتِمَاعِيَّة. وتَسَاءَلَت نَظَرِيَّاتُ التَّربِيَةِ النَّقدِيَّةِ لاحِقًا عَنِ المَعرِفَةِ الَّتِي تُدرَّس، مُجَادِلَةً بِأَنَّ التَّرَكُّزَ عَلَى الكُتَّابِ اليُونَانِيِّينَ واللاتِينِيِّينَ يُمَركِزُ «الذُّكُورَ البِيضَ الأَموَات» وَيُهَمِّشُ تَوَارِيخَ أُخرَى.
-
مَا بَعدَ الحَدَاثَةِ والنِّسبِيَّة: طَعَنَ الفِكرُ مَا بَعدَ الحَدَاثِيِّ في كَونِ أَيِّ تَقلِيدٍ ثَقَافِيٍّ بِعَينِهِ مِعيَارًا لِلمَعرِفَة، فَانقَلَبَت الكلاسِيكِيَّاتُ مِن حِكمَةٍ خَالِدَةٍ إِلَى مُجَرَّدِ مَنظُورٍ ثَقَافِيٍّ في خِضَمِّ مَنظُورَاتٍ مُتَعَدِّدَة. وَقَدَّمَ هَذَا المَنَاخُ الفِكرِيُّ لِصَانِعِي القَرَارِ التَّربَوِيِّ مُسَوِّغًا لِإِسقَاطِ المُتَطَلَّبَاتِ الكلاسِيكِيَّةِ لِصَالِحِ مَنَاهِجَ أَكثَرَ تَنَوُّعًا.
-
التَّعَدُّدِيَّةُ الثَّقَافِيَّةُ والنَّقدُ الهَوِيَّاتِيّ: مُنذُ ثَمَانِينِيَّاتِ القَرنِ المَاضِي، نَادَت حَرَكَاتُ التَّعلِيمِ مُتَعَدِّدِ الثَّقَافَاتِ بِأَن تَعكِسَ المَنَاهِجُ الثَّقَافَاتِ المُتَنَوِّعَةَ لا مُجَرَّدَ الإِرثِ «الكلاسِيكِيِّ» الأُورُوبِّيّ. وفَحَصَ بَعضُ الأَكَادِيمِيِّينَ كَيفَ وُظِّفَت الكلاسِيكِيَّاتُ في خِدمَةِ أَجِندَاتٍ اِستِعمَارِيَّةٍ أَو عُنصُرِيَّة، مِمَّا أَسهَمَ في تَرَاجُعِ الحَمَاسِ لِجَعلِهَا قَلبَ التَّعلِيم.
خُلاصَةُ القَول، تَضَافَرَت تَيَّارَاتٌ أَيدِيُولُوجِيَّةٌ مِن اِتِّجَاهَاتٍ شَتَّى لِتُزِيحَ التَّعلِيمَ الكلاسِيكِيَّ عَن عَرشِه. وَخَسِرَ التَّقلِيدِيُّونَ نِقَاشَ لا غِنَى عَنِ اللاتِينِيَّةِ واليُونَانِيَّة، فِيمَا رَأَى التَّقَدُّمِيُّونَ والبَرَاغمَاتِيُّونَ في دِرَاسَتِهِمَا عَقَبَةً زَمَنُهَا وَلَّى.
تَبِعَاتُ إِقصَاءِ التَّعلِيمِ الكلاسِيكِيّ
مَاذَا يَحدُثُ حِينَ تَكُفُّ المَدَارِسُ عَن تَدرِيسِ اللاتِينِيَّةِ واليُونَانِيَّة؟ نَاقَشَ البَاحِثُونَ والمُرَبُّونَ التَّدَاعِيَاتِ عُقُودًا. وتَبرُزُ في الغَالِبِ جُملَةٌ مِنَ الآثَارِ السَّلبِيَّة:
-
تَآكُلُ المَهَارَاتِ اللَّفظِيَّةِ والمُفرَدَات: يُؤَكِّدُ كَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ أَنَّ التَّخَلِّيَ عَن دِرَاسَةِ اللُّغَةِ الصَّارِمَةِ أَسهَمَ في تَرَاجُعٍ قِيَاسِيٍّ لِلمَهَارَاتِ اللَّفظِيَّةِ لَدَى الطُّلاَّب. وَيَستَنِدُونَ إِلَى بَيَانَاتٍ كَدَرَجَاتِ اِختِبَارِ SAT الأَمرِيكِيّ: بَينَ مَطلَعِ السِّتِّينِيَّاتِ وَمَطلَعِ الثَّمَانِينِيَّاتِ مِنَ القَرنِ المَاضِي، اِنخَفَضَت دَرَجَاتُ الفَهمِ اللُّغَوِيِّ في SAT اِنخِفَاضًا مَلحُوظًا. وخِلافًا لِدَرَجَاتِ الرِّيَاضِيَّات، ظَلَّت الدَّرَجَاتُ اللُّغَوِيَّةُ رَاكِدَةً عِندَ مُستَوِيَاتٍ مُتَدَنِّيَةٍ لَم تَستَعِد سَابِقَ عَهدِهَا.
-
فَقدَانُ صَرَامَةِ التَّفكِيرِ النَّقدِيّ: طَالَمَا اعتُقِدَ بِأَنَّ تَعَلُّمَ اللُّغَاتِ الكلاسِيكِيَّةِ يُنَمِّي الاِنضِبَاطَ الذِّهنِيّ؛ فَتَرجَمَةُ جُملَةٍ لاتِينِيَّةٍ تَستَلزِمُ إِمسَاكَ فِقَرَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ في الذِّهنِ في آنٍ وَاحِد، وهُوَ ضَربٌ مِنَ المُرَاوَغَةِ الذِّهنِيَّةِ يَقُولُ بَعضُ المُرَبِّينَ إِنَّهُ يُرَسِّخُ الصُّمُودَ الفِكرِيّ. وَمَعَ تَرَاجُعِ اللاتِينِيَّة، يَخشَى بَعضُهُم أَن يَفتَقِدَ الطُّلاَّبُ هَذِهِ التَّجرِبَةَ التَّكوِينِيَّة.
-
الأُمِّيَّةُ الثَّقَافِيَّةُ والتَّارِيخِيَّة: تَدَاعِيَةٌ يُرَدِّدُهَا كَثِيرُونَ هِيَ أَنَّ الطُّلاَّبَ الَّذِينَ لَم يَتَلَقَّوا تَعلِيمًا كلاسِيكِيًّا يَجهَلُونَ أُسُسَ الأَدَبِ والتَّارِيخِ والفَلسَفَةِ الغَربِيَّة. فَالإِشَارَاتُ اليُونَانِيَّةُ الرُّومَانِيَّةُ تَملأُ عَالَمَنَا، وَدُونَ التَّعَرُّضِ لِلكُتَّابِ اللاتِينِيِّينَ أَوِ اليُونَانِيِّينَ يَفتَقِرُ الطُّلاَّبُ إِلَى سِيَاقِ مَفَاهِيمَ كَالدِّيمُقرَاطِيَّةِ (مِن أَثِينَا) والجُمهُورِيَّةِ (مِن رُومَا). والتَّعَابِيرُ الإِنجِلِيزِيَّةُ مَشبَعَةٌ بِالإِيحَاءَاتِ الكلاسِيكِيَّةِ (كَعَقِبِ أَخِيل، والمَهَمَّةِ الهِرقلِيَّة، وصُندُوقِ بَاندُورَا)؛ وَدُونَ قَدرٍ مِنَ الثَّقَافَةِ الكلاسِيكِيَّةِ تَضِيعُ هَذِهِ الإِشَارَاتُ مَعنَاهَا.
-
تَضَاؤُلُ الاِستِقلالِيَّةِ الفِكرِيَّة: قِرَاءَةُ النُّصُوصِ القَدِيمَةِ في أُصُولِهَا تُتِيحُ التَّوَاصُلَ المُبَاشِرَ مَعَ بَعضِ أَعظَمِ العُقُولِ في التَّارِيخِ بِلا وَسِيط. وَدُونَ هَذِهِ القُدرَة، يَضطَرُّ الطَّالِبُ الحَدِيثُ إِلَى الاِتِّكَاءِ عَلَى المُتَرجِمِينَ والشُّرَّاح، فَتَضِيعُ دَقَائِقُ التَّعبِيرِ والفُرُوقُ البَلاغِيَّة. وَكَمَا لاحَظَ المُؤَرِّخُ دَانِيِيل هَاو، كانَ الأَمرِيكِيُّونَ في القَرنِ التَّاسِعَ عَشَرَ يَستَلهِمُونَ النَّمَاذِجَ الكلاسِيكِيَّةَ لِلوَطَنِيَّةِ والفَضِيلَة؛ وَفَقدَانُ هَذَا المَرجَعِ المُشتَرَكِ قَد يُضعِفُ الثَّقَافَةَ المَدَنِيَّة.
-
الأَبعَادُ الأَخلاقِيَّةُ والقِيَمِيَّة: يَطرَحُ الأَدَبُ والتَّارِيخُ الكلاسِيكِيَّانِ أَسئِلَةً أَخلاقِيَّةً خَالِدَة. وَادَّعَى المُؤَيِّدُون، كَتَقرِيرِ يِيلَ الشَّهِيرِ عَامَ 1828، أَنَّ الكلاسِيكِيَّاتِ «تُشبِعُ العَقلَ بِمَبَادِئِ الحُرِّيَّةِ وَتُلهِمُ الوَطَنِيَّةَ وَتَستَنهِضُ إِلَى العَمَلِ النَّبِيل». وَذَهَبَ بَعضُهُم إِلَى أَنَّ غِيَابَ التَّعلِيمِ الكلاسِيكِيِّ أَفقَدَ المَدَارِسَ قَدرًا مِنَ العُمقِ في التَّأَمُّلِ الأَخلاقِيّ، فِيمَا عَدَّ آخَرُونَ إِغلاقَ أَقسَامِ الدِّرَاسَاتِ الكلاسِيكِيَّةِ مُؤَشِّرًا عَلَى تَضيِيقٍ فِكرِيٍّ أَشمَل.
الدِّرَاسَاتُ الكلاسِيكِيَّةُ في الأَوسَاطِ الأَكَادِيمِيَّة: أَزمَةٌ وَنَقد
يُعَدُّ حَقلُ الدِّرَاسَاتِ الكلاسِيكِيَّةِ في التَّعلِيمِ العَالِي في وَضعٍ هَشٍّ عَلَى نِطَاقٍ وَاسِع. وتَشمَلُ المُؤَشِّرَاتُ الرَّئِيسِيَّة:
-
تَرَاجُعُ الاِلتِحَاقِ وَتَقَلُّصُ البَرَامِج: اِنخَفَضَت أَعدَادُ الطُّلاَّبِ المُتَخَصِّصِينَ في الدِّرَاسَاتِ الكلاسِيكِيَّةِ اِنخِفَاضًا حَادًّا. فَفِي الوِلاَيَاتِ المُتَّحِدَة، تَرَاجَعَت الدَّرَجَاتُ الجَامِعِيَّةُ السَّنَوِيَّةُ في الدِّرَاسَاتِ الكلاسِيكِيَّةِ مِن أَكثَرَ مِن 1,200 عَامَ 2013 إِلَى 736 عَامَ 2020، وَهُوَ تَرَاجُعٌ بِنِسبَةِ 40% في أَقَلَّ مِن عَقد. وَمَعَ تَرَاجُعِ الاِلتِحَاق، أَلغَت كَثِيرٌ مِنَ الكُلِّيَّاتِ أَقسَامَهَا الكلاسِيكِيَّةَ أَو قَلَّصَتهَا. وَفِي عَامِ 2021، أَغلَقَت جَامِعَةُ هُوَارد قِسمَهَا الكلاسِيكِيَّ، لِتَنضَمَّ إِلَى مَا لا يَقِلُّ عَن اِثنَتَي عَشرَةَ مُؤَسَّسَةً أُخرَى فَعَلَت الشَّيءَ ذَاتَهُ في السَّنَوَاتِ الأَخِيرَة.
-
تَعدِيلاتُ المَنَاهِجِ وَمَعَايِيرُ القَبُول: مِن التَّطَوُّرَاتِ المُثِيرَةِ لِلجَدَلِ السَّعيُ إِلَى جَعلِ الدِّرَاسَاتِ الكلاسِيكِيَّةِ أَكثَرَ سُهُولَةً بِإِسقَاطِ مُتَطَلَّبَاتِ اللُّغَةِ الصَّارِمَة. فَقَد أَسقَطَ قِسمُ الدِّرَاسَاتِ الكلاسِيكِيَّةِ في جَامِعَةِ بِرِينستُون عَامَ 2021 مُتَطَلَّبَهُ الجَامِعِيَّ في اليُونَانِيَّة/اللاتِينِيَّةِ تَشجِيعًا لِشَرِيحَةٍ أَوسَعَ مِنَ الطُّلاَّب. وَبَينَمَا يَهدِفُ ذَلِكَ إِلَى تَعزِيزِ التَّنَوُّع، يَرَى المُنتَقِدُونَ فِيهِ خَفضًا لِلمَعَايِيرِ يُقَوِّضُ جَوهَرَ مَعنَى «الدِّرَاسَاتِ الكلاسِيكِيَّة»: الاِشتِبَاكَ مَعَ النُّصُوصِ الأَصِيلَة.
-
النُّقُودُ الأَيدِيُولُوجِيَّةُ لِلدِّرَاسَاتِ الكلاسِيكِيَّة: خَضَعَ الحَقلُ لِتَأَمُّلٍ عَمِيقٍ في اِرتِبَاطِهِ بِالإِمبِرَيَالِيَّةِ الغَربِيَّةِ والرِّوَايَاتِ الإِقصَائِيَّة، مِمَّا أَفضَى إِلَى مُطَالَبَاتٍ بِـ«تَحرِيرِ الدِّرَاسَاتِ الكلاسِيكِيَّةِ مِنَ الاِستِعمَار» وَإِعَادَةِ النَّظَرِ في طَرِيقَةِ تَنَاوُلِ اليُونَانِ وَرُومَا. وَأَوجَدَ ذَلِكَ أَزمَةَ هُوِيَّة، تَضطَرُّ مَعَهَا الكلاسِيكِيِّينَ إِلَى صِيَاغَةِ مُبَرِّرَاتٍ جَدِيدَةٍ لِتَخَصُّصِهِم في سِيَاقِ القَرنِ الحَادِي والعِشرِينَ مُتَعَدِّدِ الثَّقَافَات.
-
الاِهتِمَامُ الشَّعبِيُّ مُقَابِلَ التَّرَاجُعِ الأَكَادِيمِيّ: والمُفَارَقَةُ اللاَّفِتَةُ أَنَّهُ بَينَمَا تَتَقَلَّصُ البَرَامِجُ الأَكَادِيمِيَّةُ الرَّسمِيَّة، لا يَزَالُ الاِهتِمَامُ العَامُّ بِالعُصُورِ الكلاسِيكِيَّةِ قَائِمًا. فَالرِّوَايَاتُ الأَكثَرُ مَبِيعًا (Circe وSong of Achilles)، والأَفلامُ الضَّخمَةُ (Gladiator)، وأَلعَابُ الفِيدِيُو (Assassin's Creed Odyssey) تَكشِفُ أَنَّ الأَسَاطِيرَ والتَّارِيخَ اليُونَانِيَّ الرُّومَانِيَّ لا يَزَالانِ يَسحَرَانِ النَّاس. والتَّحَدِّي الَّذِي يُوَاجِهُهُ الحَقلُ هُوَ رَدمُ الهُوَّةِ بَينَ هَذَا الشَّغَفِ الوَاسِعِ وَتَرَاجُعِ مَسَارِ التَّدرِيبِ الأَكَادِيمِيِّ الرَّصِين.
جُهُودُ الإِحيَاءِ والحَرَكَاتُ الحَدِيثَةُ في التَّعلِيمِ الكلاسِيكِيّ
عَلَى الرَّغمِ مِنَ الاِنحِسَار، لا تَقتَصِرُ حِكَايَةُ التَّعلِيمِ الكلاسِيكِيِّ عَلَى الأُفُول. فَقَد شَهِدَت العُقُودُ الأَخِيرَةُ جُهُودَ إِحيَاءٍ مَلحُوظَةً وَحَرَكَاتٍ مُبتَكِرَةً لِإِعَادَةِ اللاتِينِيَّةِ واليُونَانِيَّةِ والتُّرَاثِ الكلاسِيكِيِّ إِلَى المَشهَد.
-
حَرَكَةُ التَّعلِيمِ الكلاسِيكِيِّ في مَرحَلَةِ K-12 (وَخَاصَّةً في الوِلاَيَاتِ المُتَّحِدَة): يَشهَدُ التَّعلِيمُ الاِبتِدَائِيُّ والثَّانَوِيُّ إِحيَاءً مَلمُوسًا مِن خِلالِ تَحَالُفٍ فِضفَاضٍ مِنَ المَدَارِسِ الكلاسِيكِيَّةِ الخَاصَّةِ وَمَدَارِسِ المِيثَاقِ وَشَبَكَاتِ التَّعلِيمِ المَنزِلِيّ. وَفِي الوِلاَيَاتِ المُتَّحِدَة، اِعتَمَدَت مِئَاتُ المَدَارِسِ الجَدِيدَةِ النَّمُوذَجَ الكلاسِيكِيَّ في العِشرِينَ سَنَةً الأَخِيرَة. وَكَثِيرًا مَا تَفرِضُ هَذِهِ المَدَارِسُ اللاتِينِيَّةَ بَدءًا مِنَ الصُّفُوفِ الوُسطَى، وَقَد أَثبَتَت أَنَّ المَنهَجَ الكلاسِيكِيَّ قَابِلٌ لِلتَّكَيُّفِ مَعَ الفُصُولِ الدِّرَاسِيَّةِ الحَدِيثَةِ المُتَنَوِّعَة، وَكَثِيرًا مَا بِنَتَائِجَ أَكَادِيمِيَّةٍ مُمتَازَة.
-
مُبَادَرَاتُ المَدَارِسِ في المَملَكَةِ المُتَّحِدَةِ وَأُورُوبَّا: في المَملَكَةِ المُتَّحِدَة، حَيثُ تَخَلَّت المَدَارِسُ الحُكُومِيَّةُ عُمُومًا عَنِ اللاتِينِيَّة، عَمِلَت جَمعِيَّاتٌ خَيرِيَّةٌ كَـClassics for All عَلَى إِعَادَتِهَا. وَبِحُلُولِ مُنتَصَفِ عِشرِينِيَّاتِ القَرنِ الحَالِي، تُدَرِّسُ نَحوَ 20% مِنَ المَدَارِسِ الثَّانَوِيَّةِ البَرِيطَانِيَّةِ اللاتِينِيَّة. وَقَد أَحدَثَ Cambridge Latin Course — الَّذِي يَعتَمِدُ أُسلُوبَ القِصَّةِ — ثَورَةً في تَعلِيمِ اللاتِينِيَّة، وَيُنسَبُ إِلَيهِ الفَضلُ في «إِنقَاذِ اللاتِينِيَّة» في كَثِيرٍ مِنَ المَدَارِسِ البَرِيطَانِيَّة.
-
الاِبتِكَارُ البِيدَاغُوجِيُّ — اللاتِينِيَّةُ الحَيَّة: ظَهَرَت حَرَكَةٌ تُعرَفُ بِـ«اللاتِينِيَّةِ الحَيَّة» أَو «اللاتِينِيَّةِ النَّشِطَة» تَستَخدِمُ اللاتِينِيَّةَ المَنطُوقَةَ في الفَصلِ لِتَعلِيمِ اللُّغَةِ بِأُسلُوبٍ أَكثَرَ طَبِيعِيَّة، كَمَا تُعَلَّمُ اللُّغَاتُ الحَدِيثَة. وَقَد جَعَلَت هَذِهِ المُقَارَبَةُ اللاتِينِيَّةَ أَكثَرَ جَذبًا وَتُنسَبُ إِلَيهَا مُسَاهَمَتُهَا في اِنتِعَاشِهَا المَحدُود.
-
المَوَارِدُ الرَّقمِيَّةُ والمُجتَمَعَاتُ الإِلِكتُرُونِيَّة: ضَاعَفَ الإِنتَرنِت بِصُورَةٍ جَذرِيَّةٍ إِمكَانِيَّةَ الوُصُولِ إِلَى الأَدَبِ الكلاسِيكِيِّ وَأَدَوَاتِ التَّعَلُّم. وَوَضَعَت مَشَارِيعُ كَـPerseus Digital Library مَخزُونًا هَائِلًا مِنَ النُّصُوصِ اليُونَانِيَّةِ واللاتِينِيَّةِ في مُتَنَاوَلِ الجَمِيعِ مَصحُوبًا بِأَدَوَاتٍ تَحلِيلِيَّةٍ قَوِيَّة. وَأَفرَزَت المُجتَمَعَاتُ الإِلِكتُرُونِيَّةُ والمُنتَدِيَاتُ وَحَتَّى تَطبِيقَاتُ اللاتِينِيَّةِ التَّلعِيبِيَّةُ السَّائِدَةُ فَضَاءً لِلتَّعلِيمِ الكلاسِيكِيِّ خَارِجَ المُؤَسَّسَاتِ التَّقلِيدِيَّة. وَالمُفَارَقَةُ أَنَّ التَّعلِيمَ الكلاسِيكِيَّ بَاتَ في مُتَنَاوَلِ يَدٍ أَوسَعَ مِمَّا كانَ عَلَيهِ في أَيِّ حُقبَةٍ مَضَت، حَتَّى وَهُوَ يَتَرَاجَعُ مُؤَسَّسِيًّا.
-
نَتَائِجُ جُهُودِ الإِحيَاء: حَقَّقَت هَذِهِ المُبَادَرَاتُ نَجَاحَاتٍ قَابِلَةً لِلقِيَاس. فَبَعدَ التَّرَاجُعِ الحَادِّ في سَبعِينِيَّاتِ القَرنِ المَاضِي، اِستَقَرَّ الاِلتِحَاقُ بِاللاتِينِيَّةِ في الوِلاَيَاتِ المُتَّحِدَةِ وَاِنتَعَشَ بَعضَ الشَّيءِ بِحُلُولِ العَقدِ الأَوَّلِ مِنَ الأَلفِيَّةِ الثَّالِثَة. وَيَتَجَاوَزُ عَدَدُ المُتَقَدِّمِينَ لاِمتِحَانِ AP Latin حَالِيًّا 6,000 طَالِبٍ سَنَوِيًّا. وَنَوعِيًّا، تَحَسَّنَت صُورَةُ اللاتِينِيَّةِ مِن «لُغَةٍ مَيِّتَةٍ مُمِلَّة» إِلَى «مَادَّةٍ اِختِيَارِيَّةٍ رَصِينَةٍ مُثِيرَةٍ لِلاِهتِمَام».
الطَّرِيقُ إِلَى الأَمَام
التَّارِيخُ وَاضِحٌ كِفَايَة: تَرَاجَعَ التَّعلِيمُ الكلاسِيكِيُّ لِأَسبَابٍ اِجتِمَاعِيَّةٍ وَثَقَافِيَّةٍ وَمُؤَسَّسِيَّة، لا لِأَنَّ الاِهتِمَامَ بِالمَوضُوعِ تَبَخَّر. وَتُشِيرُ جُهُودُ الإِحيَاءِ إِلَى وُجُودِ جُمهُورٍ مُتَعَطِّش، لَكِنَّ مَسَارَ الدُّخُولِ كَثِيرًا مَا يَكُونُ مُتَشَعِّبًا أَو مُكلِفًا أَو عَسِيرَ الاِستِدَامَة.
وَهَذِهِ بِالضَّبطِ الهُوَّةُ الَّتِي يَسعَى PRAVIEL إِلَى رَدمِهَا. الهَدَفُ لَيسَ تَحوِيلَ اللُّغَاتِ العَتِيقَةِ إِلَى مُنتَجٍ اِستِعرَاضِيّ، بَل إِتَاحَةُ مَسَارٍ أَوضَحَ لِلمُتَعَلِّمِينَ مِنَ المَبَادِئِ الأُولَى إِلَى القِرَاءَةِ الفِعلِيَّةِ وَالمُمَارَسَةِ المُنتَظِمَة.
تَقُومُ المَنصَّةُ عَلَى مَبَادِئَ بَسِيطَةٍ وَمُحَدَّدَة:
- مَسَارٌ دِرَاسِيٌّ مُنَظَّم: صَوتٌ لِلنُّطق، وَقَوَاعِد، وَمُفرَدَات، وَتَمَارِينُ مُتَنَوِّعَةٌ تَقُودُ إِلَى النُّصُوصِ الأَصِيلَةِ بَدَلًا مِنَ الدَّورَانِ في حَلَقَاتِ تَدرِيبٍ لا نِهَايَةَ لَهَا.
- مَحتَوًى مُوَثَّق: تُبنَى الدُّرُوسُ اِستِنَادًا إِلَى مَعَاجِمَ وَمَصَادِرَ نَحوِيَّةٍ مَرجِعِيَّةٍ وَنُصُوصٍ أَوَّلِيَّة، مَعَ الإِحَالاتِ حَيثُمَا أَمكَنَ تَقدِيمُهَا.
- بِدَايَةٌ يَسِيرَة: البَدءُ فِي PRAVIEL مَجَّانِيّ، فَلِكُلِّ أَحَدٍ أَن يُجَرِّبَ لُغَةً قَبلَ أَن يُقَرِّرَ إِلَى أَيِّ مَدًى يَمضِي فِيهَا.
نَمُوذَجُ المَدرَسَةِ القَدِيمَةِ لَن يَعُودَ بِالصُّورَةِ ذَاتِهَا. لَكِنَّ أَدَوَاتٍ أَفضَلَ تَستَطِيعُ أَن تَجعَلَ الدِّرَاسَةَ الجَادَّةَ أَيسَرَ بَدءًا وَأَيسَرَ اِستِمرَارًا. وَذَلِكَ هُوَ العَمَل.
مُحَاوَرَة
التَّعلِيقَات
اترُك مُلاحَظَةً أَو تَصحِيحًا أَو سُؤَالًا. تَخضَعُ التَّعلِيقَاتُ لِلإِشرَافِ وعَنَاوِينُ البَرِيدِ الإِلِكتُرُونِيِّ لا تُعرَضُ عَلنًا.
يَجرِي تَحمِيلُ التَّعلِيقَات...